الشيخ محمد الصادقي الطهراني

263

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إن التوبة كانت بديلة عما سلف وليس - إذاً - يظلمون فيما تلف مما سلف ، فهم يظلمون لولا التوبة إذ لا بديل إذاً عما تلف ، ولا يُظلمون إذ يحسب من رؤوس أموالهم عما تلف ، فلله أن يعفوا عن عباده ما لهم من حق عمن عليه فيما فيه مصلحة وحكمة ثم يجبر النقص بما يراه لهم يوم القيامة ، تعبيداً لسبيل التوبة وتسهيلًا للإتابة ، وكما فعل للذين كفروا « إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين » . وفي ذلك أمثال عدة قضيةَ المصلحة الإسلامية كفرض الصدقات والنفقات وفرض تجهيز الميت دونما بديل ، وإصلاح أموال اليتامى حيث يجب الإستعفاف على الغني ، ونصيب من الزكاة للمؤلفة قلوبهم وما أشبه . فآكل الربا إذاً كان مضغوطاً عليه بأن يتحمل رد كلما أخذه ، كانت التوبة عبئاً عليه ، فإنها انتقاله كقفزه من أكلٍ بالباطل دونما مشقة ، إلى فناء الحياة الاقتصادية مع كل مشقة ، فقوله تعالى « له ما سلف - ولكم رؤوس أموالكم » سماح للتائب عن الربا بالنسبة لكل ما سلف وليس عنده أصله ولا بديله ، اللّهم إلّا مقابلًا له بعضاً أو كلًا وهو رأس مال ، فلو لم يُعف عن ذلك لكانت حياته موتاً ، و « لا تَظلمون ولا تُظلمون » تعني وسطاً بين الأمرين ، فليس له كل ما أخذ باقياً وسواه ، ولا عليه رده كله باقياً وسواه ، إنما عليه « ما بقي الربا » سلفاً وعيناً أو بديلًا ، ثم « لكم رؤوس أموالكم » وذلك وسط بين الأمرين وفيه فرض التنازل لدافع الربا عن بعض ما دفع ، وفرض الرد لآخذ الربا كل ما بقي سلفاً أو حاضراً . وتلك حكمة ربانية تربية للنفوس المؤمنة بتعاون ، وجذباً للمرابين إلى التوبة . ثم « لكم رؤوس أموالكم » ولو لم يكن له مفهوم ، فغير رؤوس أموالكم محرم عليكم ، فإن قضية القاعدة أن ليس لكم شيءٌ إلّا بعد ما استثني ما أخذتم من الربا ، ولكن « لكم رؤوس أموالكم » استثناء عما أخذتم ، قدر رؤوس أموالكم مثوبة للتوبة . ثم كيف ليس له مفهوم وهو مفهوم عند كل فاهم إلّا أن تدل قرينة على نقض المفهوم ك « لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة » والقرينة هنا أن هذه كانت متعودة وهي أظلم الربا فنهي عنها بالفعل ثم نهي عن الكل ، ثم وآية النهي عن الربا ككل نص على تضعيف المفهوم . « وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ » « 1 » . « كان » هنا تامة لَتطمَّ هذه الضابطة كل ذي عسرة من المدينين ، سواءً استدانوا برباً أم

--> ( 1 ) . 2 : 280